في ظل التوحش النيوليبرالي المعاصر وما تفرضه “الرأسمالية المتأخرة” من تآكل مستمر للأمان الوظيفي والاجتماعي، بالإضافة إلى عدم اليقين الجيوسياسي، وانتشار الحروب وتمدد النزاعات وشيوع خطابات ريادة الأعمال؛ يبرز خطاب ديني-تقني جديد يحاول تقديم إجابات “عملية” لأزمة الذات المعاصرة.
تأتي هذه المقالة لتشريح وتحليل بودكاست “معادلة الفَلَاح”، الذي انطلق بثه في عام 2024، ويقدمه محمد الشيخ، الخبير التكنولوجي الذي يحمل إرثًا مهنيًا طويلًا في كبرى شركات “السيليكون فالي” مثل أبل ومايكروسوفت.
لا يطرح الشيخ بودكاسته كوعظ روحي مجرد، بل كـ “هندسة وجودية” متكاملة تحاول إعادة صياغة العلاقة بين المقدس والمادي عبر لغة برمجية وهندسية صارمة مستوحاة من نماذج إدارة الأنظمة الرقمية.
تأتي هذه المقالة لتبحث في التحول الجوهري الذي يمثله البودكاست؛ من نموذج “إسلام السوق” التفاؤلي الذي ساد مطلع الألفية، إلى نموذج “إسلام الصمود” الحالي، حيث لم يعد الهدف هو الرفاهية الاستهلاكية بقدر ما هو “الصمود التقني” ضد الانحدار الطبقي وانعدام اليقين وغياب المعنى وسيولة السياق.
تسعى الورقة إلى تفكيك مفهوم “الفردية الجبرية” الذي يسكن خطاب “معادلة الفلاح”، حيث يُطالب الفرد ببرمجة تقواه وصحته وماله كـ “نظام تشغيل- Operating System” يضمن له النجاة الفردية داخل ماكينة نيوليبرالية شرسة.
من خلال استدعاء “نانسي فريزر” في تحليلها للرأسمالية آكلة الأصول، وتفكيك بنية “الإقطاع الرقمي” في اقتصاد المنصات الذي يشكل الشيخ أحد خبرائه التقنيين، تحاول المقالة كشف “العمى الطبقي” الذي يغلف وعود الفلاح، محولًا الامتيازات الجغرافية والثقافية والمهنية للمقدم إلى “جدارة شخصية” يُطالب بها جمهور محاصر هيكليًا.
إننا أمام محاولة لـ “خصخصة السكينة” وتحويل العبادات داخل البودكاست إلى أدوات لضبط الأداء “KPIs” تهدف لترميم الذات لكي تظل صالحة للعمل في سوق شرس.
“معادلة الفلاح” هي في جوهرها “سترة نجاة” فردية، تعكس مأزقًا هيكليًا يمنع الفرد من رؤية ضرورات الفعل الجماعي.
ومن هنا، تهدف هذه القراءة السوسيولوجية إلى تحويل “الألم الفردي” الذي يعالجه البودكاست من طاقة للكمون والتكيف إلى وعي هيكلي يطالب بـ “فلاح جماعي” يستعيد كرامة الإنسان من سطوة الخوارزمية.
المحور الأول: من “إسلام السوق” إلى “خوارزمية الصمود”: إزاحة النموذج في زمن عدم اليقين
لا يمكن فهم الانعطافة التي يمثلها خطاب محمد الشيخ في “معادلة الفلاح” دون وضعه في سياق مقارن وتاريخي مع أطروحة باتريك هايني الشهيرة حول “إسلام السوق” التي سادت في العقد الأول من الألفية الثالثة. في ذلك الحين، رصد هايني صعود “الدعاة الجدد” كظاهرة تعبر عن تماهي التدين مع النيوليبرالية في نسختها “الوردية” والتفاؤلية.
كان إسلام السوق خطابًا يبشر بـ “التصالح”؛ بين التقوى والثراء، وبين العبادة والاستهلاك، وبين الهوية الوطنية والاندماج في العولمة. كان النجاح المادي يُقدم كدليل ساطع على الرضا الإلهي، والارتقاء الطبقي يُسوق كبشرى لكل من يتبع “أخلاق البروتستانتية الإسلامية” الجديدة.
بيد أن العقد الثاني من القرن الحالي، وما تلاه من أزمات مالية عالمية وانهيارات هيكلية في المنطقة العربية، أدى إلى تصدع هذا النموذج التفاؤلي. الشباب اليوم “جيل زد والألفية المتأخرة” لا يواجهون “سوقًا واعدًا” كما كان الحال في عصر هايني، بل يواجهون واقعًا يتسم بـ “الانحدار الطبقي”، وتآكل الأمان الوظيفي، وتوحش “النيوليبرالية المتأخرة” التي لم تعد تبشر بالرفاهية بل تكتفي بوعود بالبقاء.
ومن هنا، يبرز خطاب محمد الشيخ ليملأ هذا الفراغ، ولكن ليس ببيع “حلم الثراء” القديم، بل ببيع “خوارزمية الصمود”.
محمد الشيخ، الذي تشكل وعيه المهني داخل أروقة شركات التكنولوجيا الكبرى “نوكيا، ومايكروسوفت، وأبل” في دبي، لا يخاطب الجمهور كواعظ تقليدي، بل كـ “مهندس أنظمة”.
هو يدرك أن هذا الجيل لا يبحث عن قصص وعظية أخلاقية، بل يبحث عن “نظام تشغيل- Operating System” يقي الذات من الانهيار النفسي والمادي. ومن هنا استعار نموذج الـ “OSI Model” المكون من سبع طبقات في هندسة الشبكات، ليقوم بـ “تنميط” الحياة الإنسانية برمتها وتحويلها إلى معادلة تقنية قابلة للقياس والمراجعة.
هذه الإزاحة في النموذج تعكس تحولًا سوسيولوجيًا عميقًا من “إسلام الرفاهية” إلى “إسلام النجاة”. المصطلح المركزي هنا لم يعد “النجاح- Success” بمدلوله المادي الصرف، بل هو “الفلاح” بمدلوله اللغوي القرآني الذي يحيل إلى الصبر، والمثابرة، والزراعة.
هذا الاختيار اللغوي ليس بريئًا؛ فهو محاولة لصبغ “العمل المستنزف” في اقتصاد المنصات بصبغة “الجهاد المقدس”. الداعية التكنولوجي هنا لا يبيع نمط حياة البرجوازية الصاعدة، بل يبيع “درعًا تقنيًا” يحمي الفرد من الإحباط الوجودي.
إن “معادلة الفلاح” تعمل كـ “تكنولوجيا للسكينة” في زمن عدم اليقين؛ حيث يتم تحويل الدين من “رؤية تزكية للنفس والعالم” إلى “وحدة دعم فني- Tech Support” للذات المنهكة.
وإذا كان إسلام السوق قد سعى لـ “أسلمة الرأسمالية” بجعلها أكثر تدفقًا، فإن خطاب الفلاح يسعى لـ “تأمين الفرد” داخل الرأسمالية بجعله أكثر صلابة وتحملًا.
هذا التحول من “الريادة التفاؤلية” إلى “الصمود التقني” هو الاعتراف الضمني بفشل الوعود النيوليبرالية بالرفاهية الجماعية، واستبدالها بوعد “النجاة الفردية الجبرية” لكل من يحسن ضبط خوارزميته الشخصية.
في هذا النموذج الدعوي، نرى بوضوح كيف تآكلت وعود “الرفاهية” لصالح “الاستمرارية”. لم يعد المطلوب من الدين أن يجعلك “مليونيرًا”، بل المطلوب منه أن يجعلك “قادرًا على الاستيقاظ والعمل” في شركة لا تمنحك أمانًا وظيفيًا ولا عقدًا دائمًا. إنها لحظة الانتقال من “الدين كطموح” إلى “الدين كصمام أمان”، وهو ما يؤسس لما نناقشه في المحاور التالية حول كيفية تحول العبادة نفسها إلى أداة لضبط الأداء المهني تحت مسمى التقوى.
المحور الثاني: تكنولوجيا التكيف: العبادة كـ “أداة لضبط الأداء” (KPIs)
في ظل النيوليبرالية المتوحشة التي تتسم بانسحاب الدولة من أدوار الرعاية وتآكل شبكات الأمان الجماعية، وتآكل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، يبرز خطاب “معادلة الفلاح” كآلية سيكولوجية وتقنية فائقة الذكاء لـ “خصخصة السكينة”.
في هذا المحور، نقوم بتشريح الكيفية التي يتم بها تحويل الدين من كونه “مساحة متعالية” عن السوق، إلى “وحدة دعم فني” تهدف لرفع الكفاءة الإنتاجية للفرد. هنا، لا يُقدم الدين كمنطلق لمساءلة الهياكل، بل كـ “تكنولوجيا للذات” (بالمفهوم الفوكوي) تهدف لتمكين الفرد من “التكيف” مع نظام يستنزفه حتى النخاع.
هندسة العبادة وتحويل الشعائر إلى خوارزميات:
يقترح محمد الشيخ في معادلته وضع “طبقة الدين” كبنية تحتية “Infrastructure” للمبنى بأكمله، ولكن هذا الطرح ينطوي على “عقلانية أداتية” صارمة.
فالصلاة، التي هي في جوهرها انقطاع عن “عالم المادة” واتصال بـ “المتعالي”، يتم إعادة تعريفها كـ “أداة لضبط الاتساق- Consistency Tool”. ينصح الشيخ بجدولة الصلاة في “التقويم الشخصي- Google Calendar” كاجتماعات ثابتة مدتها عشر دقائق.
هذا الإجراء ليس مجرد نصيحة تنظيمية، بل هو “تنميط هندسي” للتقوى؛ حيث تتحول الصلاة من “لقاء مع الخالق” إلى “محطة صيانة ذهنية” تضمن للفرد استعادة تركيزه لكي يواصل العمل بكفاءة. إنها عملية “علمنة باطنية” للعبادة؛ حيث تُقاس جودة الصلاة بمدى قدرتها على تقليل “الاحتراق النفسي- Burnout” وزيادة الانضباط الذاتي.
الدين هنا يعمل كـ “منظم إيقاع- Pace Maker” للإنتاجية؛ فإذا انضبطت الصلاة، انضبط جدول العمل، وبالتالي زادت الربحية. التقوى هنا تصبح “رأسمالًا بشريًا” يُستثمر لرفع القيمة السوقية للفرد.
تسكين الاغتراب عبر “المعنى الإيماني”:
في عالم يتحول فيه الفرد إلى مجرد “رقم” في ميزانية الشركات الكبرى أو “نقطة بيانات” في اقتصاد المنصات، يعمل خطاب الفلاح كـ “مسكن للاغتراب”. من خلال ربط “السعي اليومي” بالنية الإلهية وبركة الرزق، يُعاد صياغة العمل المجهد والمغترب داخل الشركات العابرة للقارات كنوع من “الفلاحة” أو “الجهاد الشخصي”.
هذا “المعنى الموازي” يؤدي وظيفة سوسيولوجية خطيرة؛ فهو يسمح للفرد بقبول شروط العمل القاسية واللا إنسانية عبر إيهامه بأن مجهوده ليس لزيادة أرباح المساهمين في السليكون فالي، بل هو “تجارة مع الله”. وبذلك، يمتص الخطاب طاقة الغضب الناتجة عن الاستغلال الهيكلي ويوجهها نحو “تزكية النفس”.
الاغتراب الذي كان من المفترض أن يولد “وعيًا طبقيًا” أو “رفضًا للنظام”، يتم تحويله ببراعة إلى “ابتلاء إيماني” يتطلب “صبرًا إنتاجيًا”.
“الفردية الجبرية” وسيكولوجيا جلد الذات:
يرسخ هذا المحور ما يمكن تسميته بـ “الفردية الجبرية”؛ حيث يتم ترحيل كل مسؤولية الفشل أو النجاح إلى “المعادلة الشخصية” للفرد. من خلال الفصل الحاد بين “القدر” أو ما لا نملك تغييره، و”القرار” الذي يتمثل في دائرة تأثيرنا الشخصي، يتم إجبار الفرد على التركيز الكلي على ذاته وتطوير “طبقاته” السبع.
إذا فشل الشاب في تحقيق أهدافه المالية أو أصيب بانهيار نفسي، فإن الخطاب لا يوجهه لنقد السياسات النيوليبرالية التي أدت لذلك، بل يوجهه لمراجعة “طبقة الدين” أو “طبقة الصحة” في معادلته. “هل كنت تقرأ وردك؟” “هل كنت تجدول صلواتك؟” “هل كنت تنام ثماني ساعات؟”.
هذا التحول يحول السخط الاجتماعي إلى “جلد ذاتي” مستمر. الفرد هنا يقع في فخ “الرقابة الذاتية”؛ حيث يصبح هو “اللاعب والحكم” في نفس الوقت، حاملًا عبء نجاة العالم فوق كتفيه، بينما تظل الهياكل الشرسة “التي تأكل أصول دنياه وآخرته” بعيدة عن المساءلة، ومحمية بهذا الدرع الأخلاقي الذي بناه الخطاب الديني التقني.
بذلك، تعمل “معادلة الفلاح” كـ “حارس أخير” للنظام؛ فهي توفر “المسكنات الروحية” التي تمنع الانهيار، وتُعيد تدوير طاقة السخط لتصبح وقودًا للاستمرار في الماكينة. إنها “تكنولوجيا التكيف” التي تجعل العيش داخل الغابة النيوليبرالية ممكنًا، ولكن بقلب “مُدجن” يرى في “الاستلاب” طريقًا لـ “الفَلَاح”.
المحور الثالث: الجغرافيا الطبقية للمنصة: الامتياز كبنية تحتية صامتة
تُقدم “معادلة الفلاح” نفسها بوصفها قانونًا كونيًا عابرًا للطبقات والحدود، حيث يُفترض أن أي فرد، أينما وجد، يمكنه تحقيق “الفلاح” إذا ما انضبط في طبقاته السبع.
ومع ذلك، فإن التشريح السوسيولوجي للسيرة الذاتية لمحمد الشيخ يكشف عن وجود “بنية تحتية من الامتيازات” تعمل كمنصة انطلاق لا مرئية للمنظومة بأكملها. الشيخ ليس مجرد “ذات عصامية” بدأت من العدم، بل هو نتاج مسار تعليمي ومهني كوني اتسم بتراكم “الأصول” منذ وقت مبكر، ما جعل تطبيق المعادلة في حياته سلسًا ومنطقيًا.
“الاستخلاف” من موقع القوة: الرأسمال الثقافي كمنطلق
بدأ محمد الشيخ مساره المهني بالعمل في سن السادسة عشرة لاكتساب الخبرة، وهو ما يسرده في خطابه كدليل على “العصامية الإيمانية”.
ومع ذلك، من منظور سوسيولوجي، نجد أن القدرة على العمل في سن مبكرة لاكتساب “الخبرة” وليس لمجرد “البقاء” هي بحد ذاتها امتياز طبقي. انتقال الشيخ عبر جامعات مرموقة مثل “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT” للحصول على تعليم تنفيذي، وعمله في مراكز القوى التكنولوجية العالمية منحه ما نسميه بـ “الرأسمال الثقافي والتقني الكوني”.
هذا التراكم هو ما جعل “المال” في معادلته يتحول من “همّ وجودي” لدى عديد من الطبقات في الزمن النيوليبرالي إلى “أداة للخيارات والحرية”.
بالنسبة للشيخ، المال هو القدرة على “اتخاذ القرار”، بينما بالنسبة للشاب المحاصر في جغرافيا الهامش “المنطقة العربية المأزومة”، فإن المال هو “قيد” يحدد إمكانية البقاء. الفجوة هنا تكمن في أن “القرار” الشخصي الذي يطالب به الشيخ يفترض وجود “فائض مادي” وقدرة على المخاطرة، وهي أصول لا تتوفر إلا لمن يقف فوق “منصة” طبقية مستقرة.
تبييض الطبقة وفخ الجدارة الزائفة “Meritocracy“:
يعتمد خطاب “الفَلَاح” على استراتيجية “تبييض الطبقة”؛ حيث يتم تحويل الامتيازات الهيكلية: اللغة الإنجليزية بطلاقة، والتعليم الدولي، وشبكة العلاقات العالمية المكونة من 18000 جهة اتصال، إلى مجرد “نتائج” للانضباط والتقوى. الشيخ يطالب الأفراد بأن يصبحوا “الأفضل في مجالهم” عبر التركيز المكثف وإيجاد “مرشدين- Mentors”.
لكنه يتجاهل أن “الوصول” لهؤلاء المرشدين والقدرة على التفرغ للبحث والتعلم هي “أصول طبقية” باهظة الثمن.
هذا المنطق النيوليبرالي يحوّل الفوارق البنيوية الشرسة إلى “فروقات في الهمة”؛ فإذا فشل الشاب في تحقيق “الفلاح” المادي، فإن الخطاب يوجه له لومًا مستترًا: “ربما لم تضبط طبقة الصحة، أو لم تلتزم بجدولة صلاتك، أو لم تحسن بناء شبكة علاقاتك”.
إن “الجدارة” هنا تتحول إلى أداة لشرعنة نجاح الناجين المتميزين، وفي الوقت نفسه، وصم المهمشين بأن فشلهم هو نتيجة “خلل في معادلاتهم الشخصية”، لا نتيجة “شراسة المنصة” التي يركضون فوقها.
المواطن الكوني مقابل “سجن الجغرافيا”:
يتحرك الشيخ في جغرافيا “دبي” كمركز مالي وتكنولوجي عالمي، وهو ما يمنحه رؤية “كونية” ترى في “اقتصاد التطبيقات” فرصة بمليارات الدولارات. هذا الموقع الجغرافي الطبقي يجعله يطرح حلولًا “تقنية” تعتمد على “التكيف مع المنصات العالمية” مثل أبل وجوجل.
لكن بالنسبة للشباب المحلي في القاهرة أو إسطنبول أو الرباط أو عمان، فإن الجغرافيا ليست “منصة” بل هي “قيد مادي” يتسم بالتضخم، وانهيار الخدمات، وغياب الحماية.
إن مطالبة هذا الجمهور بـ “الاستثمار في النفس” أو “البدء بالتمويل الذاتي” للمشاريع تفترض وجود فائض مادي وقدرة على التحمل لا تتوفر لمن يسحقهم الواقع اليومي.
الفَلَاح هنا يتحول من “بشرى” إلى “عبء أيديولوجي”؛ لأنه يوهم الفرد أن بإمكانه القفز فوق واقعه الطبقي المأزوم بمجرد ضبط “تطبيقه الشخصي”، بينما الحقيقة أن “المنصة” التي يقف عليها الشيخ “المنصب، والجغرافيا، والرأسمال الاجتماعي” والتي تمنح المعادلة مفعولها السحري.
بهذا، نكتشف أن “معادلة الفلاح” ليست محايدة؛ بل تنحاز للذين يمتلكون “أصول البدء”، وتبرر تفوقهم بوصفه “فلاحًا إيمانيًا”، بينما تترك المهمشين يصارعون شعورًا مضاعفًا بالذنب: ذنب الإخفاق المادي في عالم “الجدارة”، وذنب “التقصير الروحي” في عالم “التقوى الهندسية”.
المحور الرابع: الفلاح كعملية ترميم مستحيلة
عند إخضاع خطاب “معادلة الفلاح” لمنظور نانسي فريزر -الفيلسوفة النسوية اليهودية الشهيرة- في نقدها لـ “الرأسمالية آكلة لحوم البشر- Cannibal Capitalism”، نكتشف الوظيفة “الترميمية” الخطيرة التي يؤديها هذا الخطاب لصالح النظام النيوليبرالي ذاته.
تزعم فريزر أن الرأسمالية المعاصرة ليست مجرد نظام لإنتاج السلع، بل هي نظام يعيش على “التهام” الأصول غير السلعية التي تجعل الحياة والمجتمع ممكنين؛ فهي تلتهم الطبيعة، وتلتهم الرعاية الأسرية، وتلتهم الاستقرار النفسي، وتلتهم المؤسسات الدينية والاجتماعية التي تُبقينا بشرًا.
وفي هذا السياق، تظهر “معادلة الفلاح” كاستجابة درامية لهذا النهش المستمر، محاولةً دفع الفرد لترميم ما تأكله الماكينة، ولكن بعبء فردي جبري محض.
استلاب “إعادة الإنتاج الاجتماعي”: الجسد كـ “وحدة إنتاجية”
ترسخ “معادلة الفَلَاح” حفظ الصحة باعتبار “الجسد أمانة”، والعلاقات الأسرية كـ “صلة الرحم” كركائز أساسية لا غنى عنها للفلاح المادي والروحي. إلا أن النظام النيوليبرالي الشرس، بساعات عمله اللانهائية في اقتصاد المنصات وضغوطه التي لا تتوقف، هو الذي “يلتهم” الوقت والطاقة اللازمين لهذا الترميم أصلًا.
ويطالب محمد الشيخ الشاب العامل في شركات التكنولوجيا أو “الفري لانسر” بإجراء “فحوصات دورية” ومراقبة جودة نومه وجدولة “مكالمات صلة الرحم” أسبوعيًا.
هنا، يحدث ما تسميه فريزر “استلاب إعادة الإنتاج الاجتماعي”؛ حيث تتحول الصحة والعلاقات من كونها سمات إنسانية طبيعية أو حتى حقوقًا إنسانية أو مساحات رعاية عفوية، إلى “مهام إدارية- Tasks” يجب على الفرد إدارتها بكفاءة عالية لكي يظل “قابلًا للاستثمار” أو بالأحرى الاستهلاك في السوق.
الفرد هنا يرمم نفسه ليس ليعيش، بل لكي يظل “ترسًا” صالحًا للعمل. إنها عملية تحويل “الحياة” نفسها إلى “كلفة تشغيلية” يتحملها الفرد وحده، بدلًا من أن يتحملها النظام الذي يستنزف هذه الحياة.
المال كـ “وهم خيار” في زمن “الإقطاع السحابي”
يُعرّف الشيخ المال بأنه خيارات وحرية، ويؤكد أن “عدم وجود المال يعني انعدام الخيارات”. هذا الطرح يصطدم بواقع ما تسميه فريزر “الرأسمالية المالية المفرطة”، حيث يتم تجريد الفرد من “الأصول” الحقيقية وتحويله إلى كائن يعيش في مديونية دائمة أو تبعية تقنية. التناقض يكمن في أن خطاب الفلَاَح يدعو للثراء والحرية المالية في وقت تعاني فيه الطبقات الوسطى والدنيا من “الحصار الاقتصادي” الناتج عن التضخم وانهيار العملات المحلية في جغرافيا الأطراف.
عندما يغيب “الأمان الجماعي”، يصبح المال هو “طوق النجاة” الوحيد، ولكنه طوق نجاة مؤقت؛ لأن النظام الذي تمدحه المعادلة هو نفسه الذي يصادر قيمة هذا المال عبر “الإقطاع الرقمي” والإقطاعيات السحابية. والحرية المالية التي يبشر بها الشيخ هي حرية “المستأجر الكفؤ” داخل إقطاعية أبل أو جوجل، وليست حرية “المالك الأصيل” لمصيره.
“الحارس الأخير” للدين كـ “ممتص صدمات- Shock Absorber“
يعمل خطاب “معادلة الفَلَاح” كـ “حارس أخير” للنظام النيوليبرالي عبر امتصاص طاقة السخط وتحويلها إلى “هجرة داخلية” نحو الذات. من خلال الإلحاح على “المسؤولية الشخصية” وفصل “القرار” عن “القدر”، ما يمنع الخطاب الفرد من التساؤل عن شرعية النظام الذي يلتهم أصوله.
لماذا لا يوجد تأمين صحي؟ لماذا لا يوجد حد أدنى عادل للأجور؟ لماذا تلتهم الضرائب والمنصات أغلب الدخل؟ لماذا لا تتحقق عدالة البدايات -بداية التعليم والثروة والفرصة- لكي نُقيم النهايات؟ هذه الأسئلة “الهيكلية” يتم وأدها عبر تحويل “الاحتراق النفسي” إلى “اختبار إيماني” أو “خلل في إدارة المعادلة الشخصية”.
إن “سياسات التقوى الهندسية” هنا تضمن استقرار النظام عبر ضمان قبول الفرد بشروطه القاسية، مقابل “وعد” بالفلاح الشخصي والسكينة النفسية المفتعلة. وبذلك، تصبح الروحانية في هذا الإطار هي “المسكن” الذي يمنع الانفجار الاجتماعي، محولًا الغضب الطبقي المبرر إلى “قلق وجودي” فردي يُعالج بزيادة “طبقة الدين” أو تحسين “طبقة المال”.
بهذا المعنى، فإن “الفَلَاح” ليس خروجًا من الرأسمالية، بل هو “ترميم” للإنسان لكي يتحمل البقاء بداخلها. إنه الاعتراف النهائي بأن النظام “آكل للأصول”، وأن “المعادلة” هي الحقيبة الطبية الوحيدة المتاحة للمُصاب في أرض الزمن أو اللحظة النيوليبرالية، ما يجعلها أيديولوجيا “نجاة” لا أيديولوجيا “تحرر”.
المحور الخامس: اقتصاد المنصات و”القنانة الرقمية”: الاستخلاف في زمن الإقطاع السحابي
يتقاطع خطاب محمد الشيخ بشكل مذهل مع ما يصفه علماء الاقتصاد السياسي المعاصرون بـ “الإقطاع التقني- Techno-Feudalism”. فبينما يطرح الشيخ “معادلة الفلاح” كدليل إرشادي لرواد الأعمال والمستقلين- Freelancers” للنجاح عبر استغلال “اقتصاد التطبيقات” الذي تتجاوز قيمته 100 مليار دولار، فإنه يتحرك داخل بنية تحتية صُممت خصيصًا لامتصاص القيمة من الأطراف “الشباب العربي المبدع” لصالح مراكز القوى التكنولوجية الكبرى “Big Tech”.
اللاعب والحكم في “الإقطاعيات السحابية”:
يعترف محمد الشيخ، بحكم عمله الطويل في “أبل” وإدارته لمتجر التطبيقات في المنطقة، بأن شركات مثل أبل وجوجل هي التي تضع قواعد اللعبة؛ فهي التي تملك “المنصة”، وهي التي تقتطع “إتاوة” أو “إيجارًا سحابيًا- Cloud Rent” يصل إلى 30% من كل معاملة رقمية.
في هذا السياق، تبدو نصائح “معادلة الفلاح” حول تحسين “البراند الشخصي” وإتقان “سرد القصص- Storytelling” لبناء الجمهور، وكأنها تُدرب الفرد على كيف يكون “مستأجرًا كفؤًا” داخل هذه الإقطاعيات.
الفرد هنا لا “يملك” أدوات إنتاجه، بل هو “لاعب” في ملعب يملكه غيره، حيث يمكن لـ “تحديث خوارزمية” واحد أن يدمر “فلاحه” المالي في لحظة. إن الترويج للنجاح داخل هذه المنصات دون نقد بنيوي لعلاقات القوة فيها هو “شرعنة تقنية” لتبعية رقمية مطلقة.
تحويل “القنانة” إلى “سعي إيماني”:
تنشأ مفارقة حادة بين صورة “رائد الأعمال الفالح” الذي يمتلك خياراته، وبين واقع الشاب الذي يتحول إلى “عبد سحابة- Cloud Serf”. فوفق تحليلات الاقتصاد السياسي الرقمي، فإننا ننتج “رأس المال السحابي” للمنصات مجانًا عبر محتوانا، وتقييماتنا، وتفاعلاتنا، بينما تذهب الأرباح الجبّارة لمالكي الخوارزميات.
وخطاب الشيخ يصبغ هذا الواقع بصبغة “السعي وعمارة الأرض”؛ فالمبرمج أو صانع المحتوى الذي يعمل 14 ساعة يوميًا ليرضي خوارزمية “يوتيوب” أو “أبل” يُنظر إليه كـ “مفلح” يطبق “أخلاق العمل” الإسلامية. هذا “التكييف الذهني” يحجب حقيقة أن الفرد قد تم “تذريره” أو ما يُعرف بالـ “Atomization”؛ أي فصله عن أي تضامن جماعي أو نقابي، وجعله يواجه “الغول التقني” وحده، مسلحًا فقط بـ “صلاته” و”انضباطه الشخصي”.
الدين هنا لا يحرر “العامل الرقمي”، بل يمنحه “المعنى” اللازم لكي يستمر في إنتاج القيمة لغيره دون شعور بالظلم.
استراتيجيات النجاة الصغرى و”الفتات الرقمي”:
يقترح الشيخ حلولًا ذكية للالتفاف على شراسة السوق، مثل مبادرته بـ “تبني” المشاريع الرقمية في المحافظات المصرية لتوفير التوجيه “Mentorship” والتمويل مقابل حصص ضئيلة “7%”. ومع أن هذه المبادرات قد تبدو “خيرة”، إلا أنها تظل حلولًا “ميكرو-اقتصادية” تعتمد على “الإحسان الرأسمالي” بدلًا من العدالة الهيكلية.
والتي توفر “طوق نجاة” لعدد محدود من الأفراد، ولكنها لا تعالج “القصور البنيوي” الذي يجعل دولًا بأكملها في الأطراف تعاني من التهميش التقني والمؤسسي.
“معادلة الفَلَاح” في هذا المحور تروج لـ “نجاة الفرد المتميز” وتتجاهل “غرق المجموع”. وتحث الفرد على أن يكون “الأفضل” لكي تقتنصه المنصات العالمية أو المستثمرون الكونيون، مما يفرغ المجتمعات المحلية من كفاءاتها ويحولها إلى “خزانات وقود بشري” لخدمة الإقطاع الرقمي العالمي.
وبهذا، نكتشف أن “الفَلَاح” في اقتصاد المنصات هو في الحقيقة “تحسين لشروط القنانة”؛ فالفرد يطور طبقاته السبع لا لكي يخرج من السوق، بل لكي يصبح “منتجًا” أكثر جاذبية للاستغلال من قبل الخوارزميات الكونية، محولًا “الاستخلاف في الأرض” إلى مجرد “تحسين كفاءة العمل” في سحابة رقمية لا يملك الفرد فيها حتى حق الولوج إلى بياناته الخاصة.
المحور السادس: صدمة التناقض وأفق الفعل الجماعي: عندما يفشل “الفرد” وينفجر “الهيكل”
تصل “معادلة الفلاح” إلى مأزقها الوجودي والسوسيولوجي الأكبر عندما تصطدم بـ “جدار الواقع المادي” الذي يزداد صلابة وشراسة.
فالوعي لدى جيل “زد” والأجيال الشابة الحالية لا يتشكل عبر القراءات النظرية، بل عبر “صدمة التناقض المعرفي والمادي”؛ حيث تُبشر “المعادلة” بالفَلَاح والسكينة والحرية المالية كأهداف متاحة للمنضبطين، بينما يُظهر الواقع اليومي اتساع الفجوة بين “البنية التحتية الاستعراضية” والوعود الرقمية، وبين التآكل الحاد في الخدمات الأساسية، والأمن الوظيفي، والقدرة الشرائية.
ما وراء الكمون: المعرفة عبر “الاصطدام بالفشل”
يتشكل وعي هذا الجيل من خلال التعامل المباشر مع مشكلات “السيستم أو النظام”، حيث يكتشف الشاب الذي “فعل كل شيء بشكل صحيح” وفقًا للمعادلة -جدول صلاته، ضبط نومه، طوّر مهاراته، التزم بالتقوى- أنه لا يزال عاجزًا عن مواجهة تضخم عالمي، أو غلق شركته أو طردته من وظيفته، أو انهيار مفاجئ في العملة المحلية يلتهم مدخرات أسرته في ليلة وضحاها.
هنا، تحدث صدمة اليقظة؛ حيث يدرك الفرد أن “تزكية النفس” و”إتقان السعي” الفردي هما استراتيجيات صمود داخل الغابة، لكنهما لا يغيران “قوانين الغابة” نفسها.
إن الأحداث الكبرى في المنطقة، من الأزمات الاقتصادية الطاحنة إلى انهيار المؤسسات الكبرى من الدولة إلى الأسرة، إلى لحظات الانفجار القيمي كما في حالة غزة والإبادة الجماعية بأهلها، تعمل كـ “هزات عنيفة” تكسر حصن “الفردية الجبرية”.
في هذه اللحظات، يُدرك الشاب أن “سلامه النفسي” الذي يحاول ترميمه عبر العبادة “باعتبارها KPI” هو سلام مستحيل ما دام الواقع الجماعي محترقًا. هنا قد يعيد تعريف الفلاح من كونه “نجاة فردية ذاتية” إلى ضرورة وجودية لاستعادة “المعنى الجماعي” المفقود.
من “الفلاح الشخصي” إلى “العدل المشترك”: تسييس الألم
تعتمد معادلة محمد الشيخ على الفصل الحاد بين “القدر” و”القرار” لتعزيز المسؤولية الفردية. إلا أن هذا الفصل يبدأ بالتهاوي عندما يكتشف ملايين الشباب أن “القدر الاجتماعي” المتمثل في الفقر الهيكلي، وغلاء المعيشة، وانعدام الفرص، ليس “قضاءً وقدرًا” إلهيًا، بل هو نتيجة لـ “قرارات” سياسية واقتصادية اتخذها آخرون من حكومات رجال أعمال ومؤسسات مالية دولية.
عندما يكتشف الشاب أن “معادلته الشخصية” منضبطة ومع ذلك لا تؤدي للنتائج الموعودة، فإن طاقة “الصمود” التي وفرها الخطاب الديني التقني قد تتحول فجأة إلى طاقة “احتجاج”.
الفعل الجماعي هنا لا يولد من شعارات أيديولوجية قديمة، بل يولد من “خيبة الأمل في الخلاص الفردي”. الفرد الذي كان يلوم “طبقة الدين” في نفسه عند كل إخفاق، يبدأ في لوم “طبقة السلطة” و”طبقة الاحتكار” في المجتمع وطبقة النظام الدولي. هذا هو الانتقال من “تسييس الذات”، بمعنى إلقاء اللوم عليها، إلى “تسييس الواقع”.
الخاتمة: “الفلاح” كأزمة مستقبلية للنظام
في نهاية المطاف، تمثل “معادلة الفَلَاح” “استراتيجية نجاة مؤقتة” و”حارسًا أخيرًا” للنظام النيوليبرالي؛ فهي ضرورية للفرد لكي لا ينهار نفسيًا في بيئة عمل شرسة، لكنها تمثل “أزمة” للنظام على المدى البعيد.
حيث تقوم بامتصاص طاقة التغيير وتحويلها إلى “انكفاء ذاتي”، ما يسمح للهياكل بالتمادي في شراستها وتجريب حلول تقنية وقمعية أكثر حدة، حتى تصل إلى “نقطة الانفجار” المادي حيث لا يعود “المسكن الروحي” قادرًا على تغطية ألم الجوع أو التهميش.
إن الانتقال من “الكمون” إلى “الفعل الجماعي” يرتبط بلحظة تكتشف فيها الأجيال الشابة أن “الفلاح الحقيقي” لا يتحقق بـ “سترة نجاة فردية” في زمن نيوليبرالي شرس ينهار فيه الجميع، بل يتحقق بانتزاع “العدالة الهيكلية” التي تضمن منصة انطلاق عادلة للكل.
الدين هنا يجب أن يعود من كونه “تكنولوجيا للتكيف” ليكون “قوة دافعة للعدل”، و”معادلة الفلاح” تمنح الفرد “القدرة على البقاء”، لكن الوعي الهيكلي هو ما يمنحه “القدرة على التغيير”.
وعند تجميع هذه النظرة، يظهر لنا أن “معادلة الفلاح” هي قمة الذكاء النيوليبرالي في “تدجين” الروحانية المسلمة. والتي تحول “الإنسان المستخلف” إلى “وحدة إنتاجية فائقة التقوى”.
إن النقد الموجه لهذه الأطروحة ليس دعوة للقعود أو ترك العمل، بل هو دعوة لـ “تحرير الطموح”؛ لكي لا يرضى الشاب بـ “فتات النجاح الفردي” بينما تُنهب حقوقه الجماعية.
إن “الفَلَاح” في جوهره هو “إفلاح الأرض” أي شقها وإخراج كنوزها للجميع، وليس “شق الذات” لكي تناسب قوالب المنصات العالمية.
إننا نخلص إلى أن الاستمرار في ترويج “الحلول الفردية” لمشاكل “جماعية” هو تضليل بغطاء ديني، وأن الفلاح القادم لن يكون “خوارزمية” تُحمل على الهاتف، بل “حركة اجتماعية” تعيد صياغة العقد الاجتماعي والتقني بما يضمن كرامة الإنسان فوق تغول الخوارزمية.

