تتجاوز أطروحة محمد إلهامي في كتابه “سبيل الرشاد” كونها مجرد استرجاع أيديولوجي لأدبيات سيد قطب في الستينيات، لتتموضع وظيفيًا وسوسيولوجيًا كاستجابة ضرورية لحالة “اللايقين” المركبة
التي تضرب عمق المجال الإسلامي التنظيمي.
نحن هنا إزاء مشهد يتسم بتضافر أزمات بنيوية؛ بدءًا من تصدع السرديات الليبرالية الكبرى عالميًا، مرورًا بالتحولات الجيوسياسية وصعود التعددية القطبية، وصولًا إلى تآكل مفهوم الدولة الوطنية في المنطقة على مدار العقد الماضي.
هذا التفكك في الهياكل الحركية الصلبة وانسداد الآفاق السياسية جرد “العضو التنظيمي” من مظلته الحمائية التي كانت تمنحه المعنى والأمان الوجودي، مما أتاح لخطاب إلهامي ملء هذا الفراغ عبر صياغة “يقين بديل” يستثمر أزمة الليبرالية الغربية، ليقدم الإسلام كمرتكز نهائي يلملم شتات الوعي التنظيمي المأزوم.
يتجلى خطاب إلهامي كـ “نظام تشغيل- Operating System” حركي، يتوخى إعادة صهر الفرد المشتت في مركزية صلبة تحميه من التحلل النفسي والسياسي. ويتجاوز هذا الخطاب كونه مجرد توصيف للحالة، ليصبح استدعاءً فاعلًا لـ “القواعد الكلية” القاطعة التي تستقر في الوعي كأفكار ناجزة؛ مانحة الشاب المأزوم إجابات حاسمة تزيح عنه عبء الحيرة التي أورثتها الهزائم الميدانية.
إنه يعمل كـ “جسر” يزاوج ببراعة بين الحنين لـ “الصدر الأول” وبين توظيف أدوات العصر الرقمي وقيم النجاعة النيوليبرالية، محققًا حالة من التماسك الوجودي لمن فقدوا الأرض والتنظيم معًا.
وفي زمن يشعر فيه العضو التنظيمي -سواء في الداخل أو في شتات المهجر كإسطنبول- بانفصاله عن سياق الفعل في الواقع، يتدخل الخطاب لاستعادة “المبادرة” عبر إطار تفسيري يعيد تدوير المحنة، محولًا “الانكسار السياسي” إلى “مرحلة تمحيص” لبناء “النخبة النوعية”، عبر لغة تجمع بذكاء بين “الاستعلاء الإيماني” و”الواقعية” الإجرائية المعاصرة.
القطبية الجديدة: استجابة تفسيرية للانسداد التنظيمي
يتبلور خطاب إلهامي كعملية “إعادة بناء” فكرية تهدف لـ “تبيئة- Contextualization” وما يُعرف بـ “القطبية الجديدة”؛ وهي صيغة لا تكتفي بالاستدعاء الحرفي لأدبيات سيد قطب (1906-1966)، بل تعيد إنتاجها كأداة لمواجهة مأزق التنظيمات المعاصرة. فبإدراكٍ عميق لكون أزمة ما بعد الربيع العربي لم تكن أزمة “وسائل” بل تآكلًا في “الإطار التفسيري” الذي يمنح الشرعية للسياسات التي اتخذتها الحركات الإسلامية، عمد إلهامي إلى تحويل مفاهيم “الحاكمية والجاهلية والعزلة الشعورية” من شعارات سياسية صلبة إلى “أدوات تحليلية” تتيح للشاب المأزوم فهم موقعه في عالم مضطرب، بعيدًا عن صخب البرامج السياسية التي ثبت فشلها.
إن وظيفة هذه الأفكار تتجاوز التشخيص إلى حل معضلة “اللايقين التنظيمي”؛ فبدلًا من الرهان على إصلاح هياكل تقليدية غدت عبئًا على أفرادها، يميل إلهامي لجعل مركز الثقل “النخبة النوعية” أو “الرجال الأكفاء.
هذا التحول النوعي يمثل استجابة مرنة لانهيار الشموليات الحركية، مستبطنًا في جوهره روح “الكفاءة” والنجاعة الفردية التي تتماشى مع العصر النيوليبرالي. ومع ذلك، فإن هذا النزوع النخبوي يضع الخطاب في مواجهة مأزق “خطاب المعاش”، الذي شرحته بالتفصيل في كتابي “الصراع على روح الإسلام في المنطقة العربية”؛ فبقدر ما ينجح في توفير “صلابة عقدية” للفرد، فإنه ينحو بوعي نحو الانفصال عن تعقيدات الاجتماع الإنساني وآلام الناس اليومية، مفضلًا تشييد نخبة صلبة في مواجهة عالم موصوم بالجاهلية والاستلاب.
يوفر هذا الإطار “منطقًا داخليًا” يبرر الغياب عن الفاعلية الميدانية المباشرة عبر إحالة العضو إلى صيرورة “إعداد” طويلة الأمد، وهي عملية تنطوي على انتقاء مقصود لوقائع التاريخ وتجميد للزمن لصالح العقيدة، حيث يغدو الوقوف على الثوابت هو الفعل التحرري الأسمى في زمن السيولة والانهيارات.
وبذلك، يتحول خطاب إلهامي من مجرد “رد فعل” على السلطوية إلى “فعل تأسيسي” يحمي الفرد من التشتت في تيه المهجر وعجز الفعل في الوطن الأم؛ حاصرًا إياه داخل جدار من اليقين الانعزالي.
هذا المزيج بين “النخبوية الحركية” و”تأثيم الواقع” يحيل “سبيل الرشاد” إلى بنية مغلقة تحول أي نقد خارجي إلى جزء من “المؤامرة”، جاعلةً من الانسداد التنظيمي ذاته دليلًا على صحة المسار ونقاء الصف.
إن إلهامي هنا يتجاوز أزمة التنظيم بـ “إلغائه” فعليًا لصالح “الفكرة النخبوية”، مانحًا الشباب شعورًا بالتميز الأخلاقي يعوضهم عن خساراتهم في ميادين السياسة المحلية و”خطاب المعاش”، وهو ما يفسر الجاذبية الخاصة لهذا الخطاب في أوساط من فقدوا بوصلتهم التنظيمية.
خطاب الترميم في الشتات
يعمل خطاب “سبيل الرشاد” كـ “مادة لاصقة” تحول دون انفراط عقد الشتات في المهجر أو انكفائه نحو اليأس العدمي، مستدعيًا منطق “القطبية الجديدة” في “العزلة الشعورية” ليس كأداة لحماية الطليعة المؤمنة من الجاهلية، كما ساد في الستينيات، بل كآلية وقائية تحمي المهاجر من فتنة “الذوبان” وفقدان المعنى في ظل تعثر اندماجه في الموطن الجديد وعجزه عن التأثير في وطنه الأم.
وضمن هذا السياق، ينبري خطاب إلهامي لتحويل “العجز الميداني” إلى “بطولة إيمانية”، حيث تنتقل العزلة في نسختها الرقمية إلى “الفقاعات الرقمية- Echo Chambers” التي تخلق حالة من “التماسك الوهمي”، حاميةً بذلك الهياكل التنظيمية المنهارة من التلاشي النهائي.
تتبدى إحدى وظائف هذا الخطاب في “تجميد النقد الذاتي” وإجهاض محاولات المراجعة؛ إذ يتم توظيف إطار تفسيري يرتكز على “المؤامرة الكونية” و”حتمية الصدام” لإقناع الأتباع بأن الأزمة تكمن في استهدافهم كـ “نخبة نوعية” لم تساوم، وليس في قصور برامجهم أو عجزهم عن فهم تعقيدات الدولة الحديثة. هذا النزوع نحو نقل اللوم من “الذات” إلى “الآخر المتآمر” يحبس الكوادر في دوامة “الكفاءة التنظيمية” على حساب “الحيوية الفكرية”.
كما يبرز استبطان مدهش لمنطق “النيوليبرالية” في فكرة “النخبة النوعية” التي يطرحها إلهامي، من خلال رفضه لكون العمل الإسلامي “مستشفى” للمداواة أو محضنًا للضعفاء، مقدسًا بذلك “القوي الكفء” ومنحيًا الضعيف كعبء يجب التخلص منه. وفي بيئات الشتات، حيث تُمتهن كرامة الشاب في أسواق العمل أو يُهمش سياسيًا، يقدم هذا الخطاب تعويضًا نفسيًا هائلًا، محولًا إياه من مجرد “لاجئ مأزوم” إلى “ترس كفء” في ماكينة تاريخية مقدسة.
إن هذه “الداروينية التنظيمية” لا تعوض الفرد عن ضياع “المعاش” فحسب، بل تنصب إلهامي “حارسًا لبوابة الوعي” يغلق نوافذ المراجعة، محولًا الغربة الاجتماعية إلى “استعلاء إيماني” مستمد من يقين فكري متعالٍ. إنها عملية “تأميم كاملة لوعي الشتات” تضمن بقاء التنظيم المنهار كجدار عازل، يمنع أفراده من إدراك كونهم غدوا رهائن ليقين افتراضي ينفصل باطراد عن واقع الناس وآلامهم الحقيقية.
مفارقة النخبوية والسيولة
يستمد خطاب “سبيل الرشاد” فاعليته من قدرته على اجتراح حلول لمعضلة “السيولة”؛ تلك الحالة التي تلاشت فيها الروابط الهوياتية المستقرة -كالوطن الآمن أو التنظيم القوي والوظيفة المستقرة- تاركةً الفرد في شتاته يواجه هشاشة وجودية قاسية.
وفي مقابل هذا التفتت، يقدم إلهامي “صلابة بديلة” تقوم على مفارقة جوهرية تزاوج بين “النخبوية الحركية” والاحتياجات النفسية المحبطة؛ إذ يستبطن مفهوم “الرجال الأكفاء” قيم “النيوليبرالية” التي تقدس الجدارة التنافسية وتعتبر الضعف عبئا وظيفيا.
إن عملية إعادة تدوير هذا المفهوم في ثوب شرعي تخلق نوعا من “الداروينية التنظيمية” التي تُقصي “العجزة” أو “المرضى” من فضاء العمل الطليعي، ليس بغرض بناء مؤسسة متماسكة، بل لصياغة “إنسان سوبر- Super Individual” يجد في استعلائه العقدي تعويضًا رمزيًا عن سحقه المادي في سوق العمل أو تهميشه السياسي.
وضمن هذا التركيب النخبوي، يتجلى الغياب التام لـ “خطاب المعاش” المعني بالاشتباك مع آلام الناس اليومية وتطلعاتهم للعدالة؛ حيث يهرب الخطاب من “تعقيد الواقع” نحو “نقاء العقيدة”، واصمًا الانشغال بتفاصيل حياة الناس بـ “التمييع” أو الغرق في “الجاهلية”. وتؤدي هذه الاستراتيجية وظيفة “تعالٍ شعوري” تُقنع الشاب المأزوم في شتاته بأن عجزه المادي ليس إخفاقًا، بل هو “ترفع” عن عالم مستلب، مما يرسخ حالة من “الانفصال البنيوي” عن المجتمع.
إن جاذبية هذا الخطاب تكمن تحديدًا في منحه الفرد “كرامة متخيلة”، لكنها في الوقت ذاته توصد أبواب التأثير الاجتماعي الحقيقي، محولة الدين من رسالة لتحرير الإنسان إلى “درع حصين” يعصم النخبة من الانصهار في هموم العوام.
الشعبوية الإسلامية وحروب الهوية في سياق “الترامبية”
تستعصي جاذبية خطاب “سبيل الرشاد” على الفهم بمعزل عن الموجات الشعبوية العالمية المعاصرة؛ إذ يتموضع إلهامي ليس كمُنظّر لمشروع سياسي، بل كمهندس لـ “شعبوية إسلامية” تتقاطع بنيويًا مع “الترامبية” اليمينية وشعبويات السلطة المطلقة في منطقتنا.
في هذا الخطاب، يبرز مفهوم “المؤامرة” كعمود فقري وإطار تفسيري شامل يحول الأزمات من أحداث عارضة إلى “حالة وجودية” ممتدة، وظيفتها المركزية إعفاء الذات من استحقاقات المراجعة، وتحويل “الانسداد البرامجي” إلى ملحمة صمود ضد قوى كونية خارقة.
وتتجلى المقارنة الكاشفة في آليات “صناعة العدو”؛ فبينما تتجسد الخصومة في “الترامبية” ضد “النخبة الليبرالية” والمهاجرين باعتبارهم تهديدًا للهوية والمكانة الاقتصادية، يرفع إلهامي العداء إلى مستوى “المنظومة الدولية وجاهلية القرن” بوصفها قوة متعالية قادرة على تزييف وعي الشعوب.
هذا الاختزال يحول الإسلام من رسالة عالمية منفتحة إلى “متراس هوياتي” صدامي، حيث يغدو “العدو المتآمر” ضرورة بنيوية يفتقد الخطاب بدونها مبررات حشده وحديّته.
وعلى غرار شعار “أمريكا أولًا”، يرفع إلهامي شعار “النخبة النوعية أولًا” مبررًا الانعزال عن الالتزامات الاجتماعية، ومقتاتًا على حالة استقطاب تحول التنافس حول العدالة والكرامة إلى “حرب هويات” صفرية.
وتلتقي هذه الرؤية مع شعبويات السلطة العربية في “احتقار المجتمع”؛ إذ تفترض المؤامرة وجود مجتمع “مغسول الدماغ” وغير مؤهل للفاعلية، مما يشرعن وصاية “النخبة الصلبة” عليه. وبذلك، يتحول الدين من أفق للتحرر إلى “سياج” إقصائي يضمن استنزاف القوى الحية في صراعات هوياتية افتراضية ضد “طواحين هواء”، بعيدا عن ساحات التأثير الحقيقي في معاش الناس.
يمنح هذا المنحى العضو التنظيمي “شرعية تعويضية”؛ فبفقدان الفاعلية المادية في الواقع نتيجة الشتات والملاحقات الأمنية في الأوطان، يتم الاستعاضة عنها بـ”سيادة رمزية” وحروب هوية تهدف لحماية “المقدس الذاتي” من التحلل.
وقد مثلت “إبادة غزة” الاختبار الأقصى لهذا التركيب؛ فبدلًا من أن تكون المأساة دافعًا لمراجعة عجز التنظيمات الإسلامية، استغل الخطاب الحدث بكل مآسيه والتوحش الذي ظهر فيه ليعيد تدوير الغضب داخل “الشرنقة التنظيمية”، محولًا إياها إلى برهان على فشل وانهيار المنظومة الغربية.
إنها عملية “تأميم للمظلومية” تحول التضامن الإنساني إلى وقود للانفصال الشعوري، وتجعل من غزة “جدارًا” يثبت للأتباع أن العالم عدو وأن “الاعتزال هو الرشاد”.
“معادلة الفَلَاح”: إعادة هندسة الذات المسلمة نيوليبراليًا
من خوارزمية الانغلاق إلى رحابة الصيرورة التاريخية
يتكشف خطاب “سبيل الرشاد” لا بوصفه خروجا راديكاليا على الحداثة، بل كأحد تجلياتها “المعكوسة” الأكثر تعقيدًا؛ إذ يستعير من النيوليبرالية “أدواتيتها- Instrumentalism”، أي تحويل الأشياء أو الأفكار أو حتى البشر إلى مجرد “أدوات” أو “وسائل” لتحقيق غاية معينة، دون النظر إلى قيمتها الأخلاقية أو الروحية الذاتية ومن الرقمنة “خوارزميتها” ليصهر منهما درعًا أيديولوجيًا يحمي الذات من التحلل في زمن الشتات واللايقين.
وتكمن القوة الكامنة في هذا الخطاب في قدرته على تحجيم الدين من “صيرورة” تاريخية مشتبكة مع آلام البشر وأحلامهم، وتحويله إلى “كيان صلد” وناجز، تنحصر وظيفته في تأكيد التمايز النخبوي داخل عالم يُختزل كليا في فكرة المؤامرة.
إن الخطر الوجودي لهذا “اليقين” يتبدى في تقديمه “خلاصًا ذاتيًا” للعضو المأزوم على حساب “التحرر الجماعي”؛ مما يحبس طاقة التغيير خلف جدار من “الاستعلاء الإيماني” المنفصل بنيويًا عن المجتمع. وبموجب هذا الانفصال، تتحول أحداث كبرى كـ “إبادة غزة” أو الانسدادات في الهياكل الاقتصادية والسياسية من دوافع لإعادة اختراع الفعل السياسي إلى مجرد براهين تؤكد صحة “الاعتزال.
نحن إذن أمام حالة من “تجميد التاريخ” تُستبدل فيها الفعالية الاجتماعية بالصلابة العقائدية، ويُختزل التحرر في “انكفاء هوياتي” داخل فقاعات رقمية أو تنظيمية مغلقة. ومن المفارقة أن يسقط الخطاب في فخ “الوظيفية النيوليبرالية” من حيث يدعي حربها؛ بتوفيره معارضة “معزولة شعوريا” تكتفي بالبطولات الرمزية، مخلية الساحة المادية للاستبداد والسياسات التي تطحن معاش الناس.
إن استعادة روح الإسلام كقوة تحررية تقتضي تفكيك هذا “المتراس” اليقيني، والانتقال من “نخبوية الأكفاء” إلى “رحابة الإنسان”. فالتحدي الجوهري لا يكمن في بناء “شرنقة” تحمي النخبة من السيولة، بل في اقتحام هذه السيولة بـ”أفق اجتماعي” يعيد الاعتبار للإنسان بآلامه وتطلعاته المادية والروحية.
إن “سبيل الرشاد” الحقيقي يتجسد في بناء “الكتلة التاريخية” المشتبكة مع الواقع، انطلاقًا من وعيٍ يدرك أن تحرير “معاش” الناس مقتضى أصيل من مقتضيات تحرير “العقيدة”، وأن اليقين الذي لا يثمر عدلا ورحمة ليس سوى “وهْم سكون” في عالم دائم الحركة. إنها دعوة للخروج من ضيق الخوارزمية التنظيمية إلى سعة “الشهود الحضاري”؛ حيث يغدو الدين أفقًا للحرية والكرامة، واشتباكًا حيًا مع صيرورة التاريخ.

