نُشر في فكر تاني – نوفمبر 2025
يشهد الاقتصاد العالمي حاليًا تحولًا عميقًا مدفوعًا بالتقدم في التكنولوجيا، وخاصة في المجالات المتعلقة بالأتمتة ومعالجة المعلومات وعولمة الخدمات كثيفة المعرفة. في حين يظهر مصطلح “الذكاء الاصطناعي” (AI) بشكل مباشر في المناقشات الأخيرة حول الصدمات التكنولوجية وتركيز السياسات، تشمل الاتجاهات المستقبلية الأوسع التي أشار إليها الخبراء الاقتصاديون دمج الذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية والروبوتات المتقدمة وتقنيات الاتصالات التي تعمل على إعادة تشكيل التجارة العالمية وأسواق العمل والاستراتيجية الجيوسياسية بشكل أساسي.
إن هذا العصر الناشئ يختلف عن الموجة السابقة من العولمة، والتي ركزت في المقام الأول على حركة البضائع. يتمحور التحول الحالي حول انخفاض تكلفة نقل الأفكار وما يترتب على ذلك من “تفكيك” لعمليات الإنتاج عبر الحدود الدولية، مما يخلق مشهدًا تجاريًا أكثر اضطرابًا حيث تتآكل المزايا النسبية بسرعة أو تنشأ حديثًا من خلال الاستغلال التكنولوجي.
الفصل الثاني: مكاسب تكنولوجيا المعلومات والمعرفة والإنتاجية
إن المحرك الأساسي لهذه الاتجاهات المستقبلية البارزة هو التقدم المستمر والعولمة في خدمات تكنولوجيا المعلومات (IT). يصف ريتشارد بالدوين -الاقتصادي الأمريكي- المرحلة السابقة من العولمة (قبل أواخر القرن العشرين) بأنها كانت مقيدة، لأن نقل البضائع أصبح رخيصًا، لكن نقل الأفكار ظل مكلفًا، مما أدى إلى تجمع النشاط الاقتصادي في بلدان مثل مجموعة الدول السبع. ومع ذلك، منذ تسعينيات القرن العشرين، خفّض الإنترنت تكلفة نقل الأفكار بشكل كبير، مما أدى إلى بدء “فصل ثانٍ”. وقد أدى هذا إلى تغذية سلاسل التوريد العالمية التي تتجاهل الحدود، مما يسمح بالتنسيق الدولي للإنتاج الذي يكون أرخص وأكثر أمانًا وأسرع.
يتضح تأثير هذا التحول التكنولوجي جليًا في تغير أنماط الاستثمار والأولويات الاقتصادية. تُنفق الشركات الآن بكثافة على البرمجيات، حيث يزداد إنفاقها عليها بضعف معدل إنفاقها على الأجهزة، في ظل سعي الشركات جاهدةً لدمج قدرات الحاسوب الجديدة بفعالية. ويتوقع الخبراء موجة ثانية من مكاسب الإنتاجية.
خلال تسعينيات القرن العشرين، أصبحت المصانع الأمريكية أكثر كفاءة بشكل ملحوظ من خلال استخدام تكنولوجيا المعلومات. الآن، أصبحت قطاعات مثل المتاجر والبنوك والمستشفيات والبناء والرعاية الصحية جاهزة لتحقيق مكاسب من خلال تبني دروس مماثلة، مما قد يؤدي إلى زيادات في الإنتاجية أكبر من تلك التي شهدناها في قطاع التصنيع، خاصة إذا انخفضت تكلفة برامج تكنولوجيا المعلومات بشكل مماثل لانخفاض أسعار أجهزة تكنولوجيا المعلومات.
إن الاعتماد على المعرفة والتكامل التكنولوجي العالي أمر بالغ الأهمية بالنسبة للاقتصادات المتقدمة، التي يتعين عليها أن تحتفظ بميزتها النسبية في الأنشطة كثيفة المعرفة. ومع ذلك، من المتوقع أن تتآكل هذه الميزة بسرعة أكبر في المستقبل بسبب الانتشار السريع للتكنولوجيا في البلدان الفقيرة وارتفاع مستويات المهارة في الاقتصادات الناشئة.
الاتجاهات التكنولوجية الأساسية: الذكاء الاصطناعي والأتمتة والشبكات
هناك العديد من التقنيات المترابطة التي تحدد المسار المستقبلي للأتمتة والاتصال:
1. الذكاء الاصطناعي والأتمتة: تم تحديد الذكاء الاصطناعي (AI)، إلى جانب تحليلات البيانات التنبؤية والروبوتات، بشكل صريح على أنها تعمل على تحويل العمليات بشكل نشط داخل التصنيع والخدمات اللوجستية. تعمل هذه التقنيات بالفعل على تغيير كيفية عمل العقد اللوجستية الرئيسية، بما في ذلك المصانع والمستودعات ومراكز التوزيع وأنظمة التسليم. يتصور البعض حالة مستقبلية من سلاسل التوريد المستقلة التي لا تتطلب أي تدخل بشري. ويُنظر أيضًا إلى صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي قد يشكل تهديدًا للعمال، على أنه صدمة حديثة تفاقم حالة عدم اليقين الاقتصادي الحديث.
بالإضافة إلى الذكاء الاصطناعي والروبوتات، من المتوقع أن يكون هناك تأثيرات تكنولوجية مستقبلية من الطباعة ثلاثية الأبعاد وتقنيات البلوك تشين والمركبات ذاتية القيادة.
2. الحوسبة والشبكات من الجيل التالي: يعتمد التكامل المستقبلي على تكنولوجيا الشبكات المتقدمة. ويُسلَّط الضوء على تقنية الجيل الخامس (5G) باعتبارها المُمكِّن الأساسي للتطورات المستقبلية، ولا سيما إنترنت الأشياء (IOT). مع انتشار أجهزة الاستشعار غير المكلفة، سيسمح إنترنت الأشياء بمراقبة وإدارة البيئات بأكملها -المنازل والمصانع والمدن- رقميًا. علاوة على ذلك، يولي صناع السياسات الأولوية بشكل متزايد للتقنيات التي تشكل أهمية بالغة للقدرة التنافسية والأمن القومي في المستقبل، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية.
إعادة هيكلة أسواق العمل العالمية
إن هذه التطورات التكنولوجية ليست مجرد مكاسب مجردة في الكفاءة؛ بل إنها تعمل على تحويل أسواق العمل العالمية بشكل جذري، وتغيير الوظائف المعرضة للمنافسة وتتطلب مجموعات جديدة من المهارات مثل:
قابلية وظائف الخدمة للنقل إلى الخارج: إن عولمة خدمات تكنولوجيا المعلومات تعني أن وظائف الخدمة المكتبية، التي كانت تعتبر في السابق آمنة من المنافسة الأجنبية، يتم الآن سحبها إلى الخارج. لا يستهدف النقل الخارجي الآن معالجة البيانات الأساسية ومراكز الاتصال فحسب، بل يشمل بشكل متزايد الوظائف الماهرة والموحدة مثل برمجة البرمجيات والتشخيص الطبي والتصميم الهندسي والقانون والمحاسبة والتمويل والاستشارات التجارية. يمكن تقديم هذه الخدمات إلكترونيًا من أي مكان، مما يعرض العمال ذوي الياقات البيضاء المهرة لمنافسة أكبر. ويقدر آلان بليندر -أستاذ الاقتصاد بجامعة برينستون الأمريكية- أن عدد الوظائف في قطاع الخدمات التي قد تتعرض للنقل إلى الخارج قد يزيد بمقدار مرتين إلى ثلاث مرات عن الوظائف في قطاع التصنيع، مما قد يعرض ما لا يقل عن 30% من جميع الوظائف للخطر.
وهذا يعني أن المنافسة العالمية تتحول من التأثير على الصناعات أو المصانع بأكملها إلى استهداف المهام الفردية داخل الشركات، مما يؤثر على العمال المهرة بقدر ما يؤثر على العمال غير المهرة. على سبيل المثال، يتنافس معالج البيانات الأمريكي، بغض النظر عما إذا كان يعمل في شركة أثاث أو مستشفى، مع شخص في بنغالور بالهند. حتى العمال ذوي المهارات العالية، مثل المحاسبين وأخصائيي الأشعة ومبرمجي الكمبيوتر، يتنافسون الآن مع الخدمات المقدمة إلكترونيًا من الخارج. في فئة الدخل المتوسط، أصبحت الوظائف الماهرة التي يسهل توحيدها، مثل المحاسبة، تتعرض الآن لضغط شديد.
الطلب المتزايد على مهارات تكنولوجيا المعلومات: على الرغم من أن التكنولوجيا تهدد العديد من الأدوار الحالية، إلا أنها في الوقت نفسه تدفع الطلب على وظائف جديدة ذات أجور أعلى تركز على دمج وإدارة هذه الأنظمة. من بين أفضل 20 مهنة من المتوقع أن تشهد أعلى معدل نمو، سيتطلب نصفها مهارات تكنولوجيا المعلومات. بين عامي 2000 و2010، كان من المتوقع أن يتضاعف الطلب على المتخصصين في دعم الكمبيوتر ومهندسي البرمجيات، وكان من المتوقع أن يرتفع الطلب على مسؤولي قواعد البيانات بمقدار ثلاثة أخماس.
يسلط هذا الضوء على مستقبل حيث يرتبط النجاح في سوق العمل بشكل متزايد بالقدرة على التكيف الرقمي والخبرة في تكنولوجيا المعلومات.
تشير إحدى نظريات الاقتصاديين حول العولمة إلى مستقبل حيث يتم جعل العمالة متنقلة بواسطة الروبوتات مما يسمح للناس بتقديم خدماتهم عن بعد، مما يؤدي في الأساس إلى تحرير العولمة من قيودها على حركة العمالة.
الاستجابة الجيوسياسية: اقتصاد الوطن والتقنيات الاستراتيجية
لقد أدت الطبيعة الشاملة لهذه التحولات التكنولوجية، وخاصة سهولة نقل المعرفة وتكامل سلاسل التوريد، إلى إثارة رد فعل سياسي مضاد شديد، وإعادة تعريف البيئة المستقبلية التي ستتطور فيها هذه التقنيات. تنظر الحكومات إلى السيطرة على التكنولوجيا المتقدمة -بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والرقائق والإلكترونيات الدقيقة- باعتبارها عنصرًا أساسيًا في الأمن القومي والمرونة الاقتصادية. تُسمى هذه الفلسفة الحاكمة الجديدة “اقتصاد الوطن”، والتي تتسم بـ:
دمج الأمن القومي والسياسة الاقتصادية: يعطي الاقتصاد الوطني الأولوية للحد من المخاطر التي يفرضها الخصوم الجيوسياسيون أو الصدمات غير المتوقعة، بهدف الحفاظ على فوائد العولمة مع تجنب عدم الاستقرار والظلم الملحوظين فيها. وهذا يتطلب الدمج بين الأمن القومي والسياسة الاقتصادية. أشار جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي الأمريكي سابقًا، إلى هذا التحول الدراماتيكي بقوله: إن السيطرة على الاقتصاد انتقلت إلى الاستراتيجيين الجيوسياسيين. لقد تبنى القادة في جميع أنحاء العالم، من رئيس المفوضية الأوروبية إلى رئيس وزراء الهند، خطابًا مماثلاً، وتحدثوا عن “الأمن الاقتصادي” و”الاستقلال الاستراتيجي” و”الاعتماد على الذات” اقتصاديًا.
السياسة الصناعية والأبطال الاستراتيجيون: إن السمة الرئيسية لهذا الاتجاه هي الاستخدام المكثف للسياسة الصناعية لبناء أبطال محليين في الصناعات الاستراتيجية. لقد تحول التركيز من الصناعات القديمة مثل الفحم والصلب إلى القطاعات الحديثة ذات التقنية العالية، بما في ذلك الرقائق الحاسوبية والمركبات الكهربائية والذكاء الاصطناعي. يتضمن ذلك تطبيق إعانات ضخمة ومتطلبات المحتوى المحلي لتشجيع الإنتاج المحلي. من الأمثلة التشريعية البارزة قانون CHIPS الأمريكي (لمساعدة صناعة أشباه الموصلات المحلية) وقانون خفض التضخم (IRA) (لدعم الطاقة الخضراء). أطلق الاتحاد الأوروبي نسخته الخاصة من قانون CHIPS وخطة الصفقة الخضراء الصناعية، وقد حذت كوريا الجنوبية والهند ودول أخرى حذوها من خلال خطط تصنيع محلية مماثلة. يتطلع صناع السياسات أيضًا إلى المستقبل، ويوجهون انتباههم صراحةً نحو الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية.
الانفصال الجيوسياسي في مجال التكنولوجيا: تكمن أعمق التوترات في قطاع التكنولوجيا، مما يؤدي إلى انفصال فظ بين الكتل الجيوسياسية. التنافس الجيوسياسي يسيطر على صناعة التكنولوجيا. القواعد التي تحكم الخصوصية والبيانات والتجسس متشظية. بدأت أمريكا والصين في فصل صناعاتهما التكنولوجية. على سبيل المثال، فرضت أمريكا قيودًا على الصين لإحباط طموحاتها التكنولوجية، وخاصة في مجال أشباه الموصلات. ومن جانبها، تسعى الصين إلى “التداول المزدوج”، بهدف تقليل الاعتماد على الموردين العالميين لتخفيف قبضة منافسيها على الصناعات “الخانقة”، مثل معدات تصنيع الرقائق.
وإذا اندلعت حرب باردة تكنولوجية، ويرى البعض أنها مشتعلة الآن، فسوف تُحطم سلاسل توريد التكنولوجيا المتكاملة للغاية الحالية، مما يفرض إعادة تنظيم مكلفة. قد يؤدي هذا إلى انقسام في طرح تقنية الجيل الخامس، وانقسام محتمل لشبكة الإنترنت، وهو أمر مكلف وغير فعال ويفشل في معالجة مخاوف الأمن السيبراني.
يتم التخلي الآن عن مبدأ معاملة المستثمرين والشركات على قدم المساواة بغض النظر عن جنسياتهم. لدى أمريكا والاتحاد الأوروبي أنظمة جديدة لفحص الاستثمارات الأجنبية، ومن غير المرجح أن تمنح الصين الشركات الأجنبية فرصًا متساوية. حتى المجالات التي تبدو عادية مثل المحاسبة ومكافحة الاحتكار تتفتت. هذه السياسات، مثل العقوبات وحظر التصدير، تُعدّ أدوات اقتصادية تُستخدم لإضعاف الخصوم الجيوسياسيين، وخاصةً فيما يتعلق بالتقنيات “ذات الاستخدام المزدوج” للتطبيقات المدنية والعسكرية.
العواقب ومستقبل التكامل العالمي
تشير التأثيرات المشتركة للتسارع التكنولوجي والاحتكاك الجيوسياسي إلى مستقبل اقتصادي يتميز بالتباطؤ في التوازن ويشهد تحولات إقليمية.
التحولات الإقليمية وسلسلة التوريد: لقد تقلصت الاستثمارات عبر الحدود والتجارة والقروض المصرفية وسلاسل التوريد أو ركدت نسبيًا مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي العالمي منذ الأزمة المالية في عام 2008. هذا التباطؤ، أو تباطؤ التوازن، يعني أن سلاسل التوريد كانت بالفعل تخضع لتغير سريع قبل الاضطرابات السياسية الأخيرة. تنتقل الشركات من إدارة المخزون “في الوقت المناسب” إلى إدارة المخزون “في حالة الطوارئ”، مع الاحتفاظ بمخزونات أعلى من المواد.
يؤدي تباطؤ النمو الاقتصادي إلى روابط أعمق داخل الكتل الإقليمية، فسلاسل التوريد في أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا تعتمد على المصادر الأقرب إلى الوطن. ومع ذلك، فإن هذا النمط الإقليمي يخلق توترًا مع النظام المالي العالمي الذي يظل مرتبطًا إلى حد كبير بوول ستريت والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، مما قد يؤدي إلى اضطرابات مالية مستقبلية. إن الحاجة إلى تقليل المخاطر في هذه البيئة تعني أن سلاسل التوريد يجب أن تصبح أكثر أمانًا. وعلى الرغم من أن بعض التحليلات تحذر من التدجين، الذي يركز المخاطر ويضيع اقتصاديات الحجم، إلا أنه ينبغي أن تكون الطريقة المفضلة لزيادة المرونة هي التنويع.
زيادة التكاليف وعدم المساواة: في حين أن التحول نحو التكنولوجيا المتقدمة والأتمتة يعد بالإنتاجية، فإن الاستجابة الجيوسياسية للاقتصاد الوطني تحمل تكاليف اقتصادية كبيرة. تشير الأبحاث إلى أن انقسام العالم إلى كتلتين بقيادة أمريكا والصين قد يؤدي إلى انخفاض الناتج العالمي بنسبة 1% على المدى القصير و2% على المدى الطويل، وهو ما يُضاهي قرار الدول الأوروبية بأسرها الخروج من الاتحاد الأوروبي. إن التجربة التاريخية للسياسة الصناعية ليست مشجعة، والحكومات تخاطر بإهدار مبالغ كبيرة من المال.
علاوة على ذلك، فإن التباطؤ في التوازن لن يحل القضايا الاجتماعية التي غذت ردود الفعل العنيفة ضد عصر العولمة السابق. الأتمتة تعني أنه لن يكون هناك نهضة للوظائف اليدوية في الغرب، ومن غير المرجح أيضًا أن تؤدي السياسات الجديدة إلى الحد من عدم المساواة بشكل كبير. إن الاتجاه السائد هو أن الكثير من الفوائد المالية للمكاسب العالمية قد ذهبت إلى أولئك الذين في القمة، وهو ما يفسر الافتقار إلى الدعم الشعبي للعولمة.
إن المستقبل التكنولوجي، الذي يحركه الذكاء الاصطناعي والأتمتة، يؤكد على الحاجة إلى شبكة أمان وتعليم أفضل وأسواق عمل مرنة للتكيف مع الواقع الاقتصادي الجديد.
ترتبط الاتجاهات المستقبلية في مجال الذكاء الاصطناعي والتقنيات المرتبطة به -الأنظمة المستقلة، وخدمات تكنولوجيا المعلومات المتقدمة، والصناعات كثيفة المعرفة- ارتباطًا وثيقًا بالتحولات العالمية الكبرى. فهي تُبشر بإنتاجية غير مسبوقة، لكنها تتطلب تعديلات سياسية واقتصادية صعبة، لا سيما وأن الحكومات تُعطي الأولوية للأمن القومي والاعتماد على الذات على حساب التكامل العالمي غير المقيد. تعمل هذه القوى على تحويل العالم إلى بيئة معقدة ومجزأة حيث تحدث المنافسة على مستوى المهام الرقمية الفردية والقطاعات الاستراتيجية، مما يخلق فرصًا هائلة لأولئك الذين يمتلكون المعرفة والتكنولوجيا، في حين يمثل تحديات عميقة للاستقرار السياسي والاقتصادي العالمي.
لتأطير هذا التفاعل المعقد بين التكنولوجيا والشؤون العالمية، لننظر إلى كيف يُشكّل ظهور الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات المتقدمة شبكةً واسعةً وغير مرئية من الأنفاق تحت الاقتصاد العالمي. في السابق، كانت الحواجز التجارية أشبه بمحطات رسوم على الطرق السطحية. أما الآن، فتتيح التكنولوجيا للسلع والخدمات -أو على الأقل التعليمات والمعرفة الكامنة وراءها- تجاوز هذه الرسوم عبر أنفاق رقمية. ومع ذلك، إذ تدرك الحكومات عجزها عن مراقبة السطح، تُركز الآن على التحكم في نقاط الدخول والخروج إلى الأنفاق (تقنيات استراتيجية مثل الرقائق وشبكات الجيل الخامس)، مما يؤدي إلى مستقبلٍ يُصبح فيه التعاون التكنولوجي المتقدم إقليميًا ومُسيّسًا بشدة، حتى مع بقاء القوى الأساسية للحركة الرقمية قوية.
|الآراء الواردة لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة فكر تاني

